عبد الرحمن بدوي
15
الأخلاق عند كنت
لحساسيتنا ، ويجب أن يسبق كل عيان تجريبي ، أي إدراكنا للأشياء الواقعية ، كما تظهر لنا . وبهذا تنحل المشكلة التي طرحناها في البداية : إن العيان التجريبي يقوم على أساس عيان محض قبلي ، هو عيان الزمان والمكان ، اللذان هما شكلان من أشكال الحساسية ، شكلان قبليّان سابقان على كل تجربة . إنهما لا يخلقان الأشياء ، ولكنهما يحدّدان علاقات الأشياء بعضها ببعض ، وهما بهذا شرطان لكل معرفة تجريبية . ويختم كنت هذا القسم بابداء ثلاث ملاحظات : ( الأولى ) تتناول مشكلة الصدق الموضوعي للرياضيات المحضة . وخلاصتها أن الرياضيات ذات صدق موضوعي ، لأن الموضوعات توجد في المكان ، والمكان ليس أمرا غريبا عن الشعور ، بل هو شكل وشرط لكل الظواهر الخارجية ، وامكانها يقوم على هذا الشكل . . . وعلم هذا الشكل هو الرياضيات . والرياضيات تفرض على الأشياء بوصفها ظواهر قواعدها ومعاييرها ، وإلا لكانت قضايا الهندسة مجرد مخلوقات للخيال . والرياضيات تنطبق على الأشياء ، كما تظهر لنا ، لا كما هي في ذاتها . « والحساسية ، التي على أساس شكلها تقوم الهندسة ، هي ما يتوقف عليه امكان الظواهر الخارجية ؛ فهذه لا يمكنها إذن أن تحتوي على شيء آخر غير ما تفرضه عليها الهندسة . وسيكون الأمر مختلفا تماما ، لو كان يجب على الحواس أن تمتثل الأشياء كما هي في ذاتها » ( الملاحظة الأولى ) . ( الثانية ) « يجب أن كل ما ينبغي أن يعطى لنا بوصفه موضوعا : أن يعطى لنا في العيان ؛ لكن عياننا كله لا يتمّ إلّا بواسطة الحواس ؛ والذهن ليس له عيان ؛ إنه يتأمل فقط . ولما كانت الحواس ، كما أثبتنا منذ قليل ، لا تمكننا أبدا من معرفة الأشياء كما هي في ذاتها ، بل فقط تعرفنا ظواهرها ، وهذه الظواهر هي مجرد امتثالات للحساسية ، فإن « كل الأجسام شأنها شأن المكان